في السنوات القليلة الماضية لم يعد الجدل يدور حول جدوى توظيف الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التعليمية، والاقتصادية، وآثاره فيهما فقط، بل امتد أيضاً ليطرح تساؤلات قانونية تمس جوهر الابتكار الإنساني، وحدود الحماية الجزائية له، ولا سيما أن الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي تجاوزت دور الأدوات المساعدة، وأصبحت لديها القدرة على إنتاج نصوص أدبية، وأعمال فنية، وتصميمات تحاكي - وأحياناً تنافس - ما ينتجه الإنسان، ومن ثمّ فقد أوجد هذا الواقع تحديات قانونية في مجال حقوق المؤلف، إذ تتداخل حدود الاستخدام المشروع لتلك الأدوات الذكية مع صور التعدي على حقوق المؤلف، التي يصعب إخضاعها للمسؤولية الجزائية التقليدية.
ولا تكمُن الإشكالية في فعل النسخ، أو التقليد، أو التزييف، أو الاستنساخ، بل في قدرة الخوارزميات وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على محاكاة البصمة الإبداعية للإنسان، أي أسلوبه الفني، أو اللغوي، أو الجمالي، على نحو ينتج أعمالاً تبدو كأنها طبيعية، ويصعب اكتشافها في بعض الأحيان، ومن ثم يُعَد هذا الفعل تعدياً على الحق الأدبي للمؤلف، وكذا حقه المالي إذا استُخدم المحتوى المولد لتحقيق عائد تجاري، أو انتشار جماهيري.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تظل هذه الأفعال في جوهرها انتهاكاً لحقوق كفَلها المشرِّع الإماراتي بالحماية صراحةً في المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ونص على صور تجريمها والعقوبات المقررة لها في المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية من خلال ملاحقة صور الانتحال والنشر والتعديل للمصنفات الإبداعية والفنية.
ومع ذلك يظل السؤال الأهم يتعلق بكيفية إسناد المسؤولية الجزائية: مَن يُسأل عندما يكون الذكاء الاصطناعي هو الأداة المباشرة لفعل التعدي على حقوق المؤلف؟ إن التشريع الجزائي في بنيته التقليدية يفترض أن يكون الفاعل إنساناً مدركاً، إلا أن الواقع التقني اليوم يفرض تعدد الفاعلين، وتداخل أدوارهم، فالمستخدم الذي يوجه النظام الذكي، والمبرمج الذي يصمم الخوارزمية، والمنصة التي تتيح النشر، أو تحقق الربح، جميعهم يشكلون حلقة في سلسلة واحدة، ولذلك قرر المشرع الإماراتي في المرسوم بقانون اتحادي رقم (31) لسنة 2021 بشأن الجرائم والعقوبات مساءلة الشركات والمنصات متى ثبت أن الفعل ارتُكِبَ لحسابها، أو نتيجة تقصيرها في الرقابة والامتثال.
وعند النظر إلى التشريعات المقارنة يُلاحَظ أن هذا التحدي ليس على المستوى الوطني فقط، بل على مستوى عالمي أيضاً، فعلى سبيل المثال جرى أخيراً تحديث اللائحة الأوروبية للذكاء الاصطناعي رقم (1689) لسنة 2024 لتؤكد مبدأ الإشراف البشري، والمسؤولية المتدرجة، مع إلزام الأنظمة التوليدية بمتطلبات شفافية تمنع استخدام المصنفات المحمية في التدريب، أو الإنتاج من دون ترخيص.
أما الولايات المتحدة الأميركية، فقد بحثت عن عنصر القصد التجاري في انتهاك حقوق المؤلف بصفته المعيار الفاصل في قيام المسؤولية الجزائية، وفق قانون حقوق المؤلف الأميركي.
وفي المحصلة لم تعد الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي تمثل تهديداً في حد ذاتها لقواعد حماية حقوق المؤلف، ولكنها كشفت عن حدودها، وفرضت ضرورة مراجعتها في ضوء التطور المتسارع لهذه الأدوات، ما يتطلب العمل على وضع تصور قانوني استشرافي يوازن بين الابتكار، وضمان حقوق المؤلف عن طريق توضيح طبيعة الفعل الخوارزمي، وتحديد المسؤولية عنه، ولا سيما أن حماية الابتكار في العصر الرقمي لا تتحقق بكبح التقنيات الحديثة، أو مصادرتها، بل بتنظيمها على نحو فاعل وجادٍّ يحفظ حقوق المؤلف، ويشجع الابتكار في آنٍ واحد.


د. مريم محمد حسن الحمادي*
*عضو هيئة التدريس في كلية الشرطة- أبوظبي.